جوهر قضاضي: هندسة معمارية وفوتوغرافيا وأشياء أخرى

حوار مع المصور المحترف جوهر قضاضي1 min


جوهر قضاضي في الأستديو الخاص به - Autoprtrait
جوهر قضاضي في الأستديو الخاص به – Autoprtrait
لنبدأ من البداية, من هو جوهر قضاضي ؟

من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1980, كبرت فيها إلى حدود بلوغي 18 سنة. درست في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط, حاليا أدير شركة تواصل وأعمل كمصوّر محترف في نفس الوقت.

لماذا لم تواصل في الهندسة المعمارية ؟

كنت أعمل في مجال التواصل منذ أن كنت طالبا في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية وفضلت أن أواصل في نفس المجال لوقت محدد بعد الانتهاء من الدراسة, لكن دام الأمر أكثر ممّا كنت أتوقع إذ لم تتسنى لي الفرصة بعد للتفرّغ للهندسة المعمارية التي لم أفقد شغفها طبعا, والتي لدي رغبة شديدة في الرجوع إليها.

منذ متى وأنت تمارس فن الفوتوغرافيا ؟

لقد كنت شديد الهوس بآلة التصوير منذ كنت طفلا في الثالثة من عمري. التقط لي والدي صورة في إشبيلية تعني لي الكثير لأنها تحدّثني عن براءة الشغف الذي يربطني بالتصوير, شغف كان ولازال ينمو ويأخذ شكلا جميلا في قلبي وذاكرتي, ويوقظ في مخيّلتي الصغيرة رغبات كبيرة في اكتشاف العالم بعدسة الكاميرا. في كل مرة أشاهد فيها هذه الصورة تصيبني الدهشة و تكبر بداخلي مشاعر الحنين والعرفان للّحظة الخاطفة التي تجسّدها والتي ما تلبث أن تنسج خيوطا تربطني ببداية قصتي مع الفوتوغرفيا. هي دليل قاطع يعكس إلى أي حد كنت شغوفا بالآلة المصورة و بمراقبة هدف التصوير من خلال عدسة الكاميرا, لقد كنت أجد الأمر سحريا للغاية بالرغم من كونها لعبة فقط. بعدما كبرت, كنت ألتقط صورا في المناسبات والرحلات. بعدها, درست الفوتوغرافيا في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية ومن هنا بدأت أهتم بهذا الفن بشكل معمّق حيث تعلّمت أسسه وتقنياته. أظن أنها قاعدة عامة, فعندما تشغل بالك بموضوع معين يصبح من السهل حينها أن يتحول الاهتمام الذي تعيره لهذا الموضوع إلى شغف و هوس.

إشبيلية في 1983, جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي

لقد شهدت الدار البيضاء ميلاد أساليب معمارية جديدة مثل ما يسمى بالعمارة المغاربية الجديدة وكذا تأثّرها بتيارات فنية مثل آرت ديكو, النهضة, الفن الجديد, التفكيكية والفن الحديث… هذا المزيج من الأساليب فريد في العالم وبالتالي يشكل جزءا مهما من هوية الدار البيضاء.

لماذا مدينة الدار البيضاء؟

أعتقد أنه من الطبيعي أن تكون لديك علاقة خاصة بالمدينة التي ولدت فيها والتي قضيت فيها طفولتك, هذا ما يفسّر هوسي بالمدينة, لقد كانت الدارالبيضاء هادئة جدّا مقارنة مع اليوم, هذا ما جعلني أتركها وأستقر بالرباط التي تشبه في ديناميتها اليوم كازابلانكا أمس. بالنسبة لمدينة الدارالبيضاء كموضوع فوتوغرافي فهي تتميّز بهوية معمارية وعمرانية قوية بالإضافة إلى التنوع الثقافي و الديموغرافي الذي تحتضنه, فعلى سبيل المثال توجد أقلية صينية في المدينة. قد يصدف أن نجهل أن الدارالبيضاء في الحاضر هي نتاج خلط لرهانات و مشاريع في الماضي, فقد شهدت ميلاد أساليب معمارية جديدة مثل ما يسمى بالعمارة المغاربية الجديدة وكذا تأثّرها بتيارات فنية مثل آرت ديكو, النهضة, الفن الجديد, التفكيكية والفن الحديث… هذا المزيج من الأساليب فريد في العالم وبالتالي يشكل جزءا مهما من هوية الدار البيضاء. فمن عهد الحماية إلى بلوغ السبعينات, عرفت الدار البيضاء نشأة عمرانية ومعمارية غنية, في وسط المدينة مثلا, هناك جبهات من البنايات العالية وأفق ومشاهد جميلة الرؤية. لقد كانت انطلاقة مدينة الدار البيضاء من الميناء, Casaport حاليا, حيث كانت ملتقى الفرنسيين, الإيطاليين, الألمانيين, الأمريكيين و الإسبان. فبحكم التطور الاقتصادي الذي شهدته المنطقة آنذاك, باتت محط استقرار أجانب من جنسيات مختلفة الذين لم يتردّدوا بدورهم في خلق مشاريع اقتصادية. هكذا تطورت المدينة منذ بدايتها إلى حدود الآن, ناهيك عن حقيقة أن كازا تبقى نقطة التقاء جميع المغاربة حيث ينتهي بهم المطاف على أرضها مهما اختلفت و تعدّدت الأسباب والعوامل. هذا ما يميّز كازابلانكا ويجعلها تتميز بطابع خاص. لا أعتقد أن هناك مدينة تشبهها فهي تتمتع بخصوصية نسقها, هويتها, سكانها, معمارها و تركيبتها.

العمل الفوتوغرافي لا يصنع فقط من هدف تصوير و لحظة خاطفة وإنما أيضا من التصورات والتخيلات التي تتكوّن عند المشاهد.

ما الذي يمكن أن يكون ملهما في مدينة صاخبة لا تنام كالدار البيضاء وكيف  يمكن لمصوّر فوتوغرافي أن يثبت ويراقب بعدسة الكاميرا هدفا حركيا و ديناميّا؟

الصورة هي طرح لحكاية ترتسم في ذهن المشاهد, كل رؤية ومخيّلة تنسجان قصّة جديدة, يمكننا بسهولة أن نتخيّل إذن كيف للصورة أن تصبح أكثر حركيّة إذا ما أسقطنا عليها مختلف قراءات ومشاعر المشاهدين. فالمصّور هو صلة وصل بين المشهد الذي تم تصويره و بين المتلقّي, العمل الفوتوغرافي لا يصنع فقط من هدف تصوير و لحظة خاطفة وإنما أيضا من التصورات والتخيلات التي تتكوّن عند المشاهد. كل صورة ألتقطها في مدينة الدار البيضاء تعكس ما كان يجذبني في هذه المدينة في الماضي, هي صور ألتقطها في الحاضر لكنها في الحقيقة تعبّر عن مدى اشتياقي لكازابلانكا كما كانت في طفولتي.

كازا صباح أحد
كازا صباح أحد, جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.

لا زلت في رحلة بحث عن ذلك الهدوء الذي افتقدته المدينة, ربما لهذا أستمتع برصد مختلف التباينات التي تؤججها. بالرغم من الضجيج والسواد الذي يعمّ الدارالبيضاء, أفضل التقاط صور عندما تكون المدينة هادئة لأنها تسافر بي إلى طفولتي. لقد كنت أقطن في حي المعاريف وكانت المدرسة تبعد على منزلنا بكيلومترين لكن الطريق كانت آمنة و معبّدة, كنت أذهب برفقة أخي على الأرجل, اليوم يصعب عليّ أن أتخيل إمكانية ذلك بسبب حركة السير والازدحام والتلوث بمختلف أشكاله. أعتقد أن الدار البيضاء هي المدينة الأصعب في التصوير مقارنة مع مدن أخرى لأنني أحاول تصوير شيء مفقود, إنه إحساس استلاب حقيقي أقاومه بعملية البحث الدائم عن كازا طفولتي.

“المحيط الأطلسي, المدينة البيضاء التي أصبحت بيضاء الاسم فقط, و مسجد الحسن الثاني الذي يظهر مهيمنا على شكل المدينة. كازابلانكا أجمل من وراء مياه الأطلس.” جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.

 

الأصالة والمعاصرة طريقان مختلفان لا يتقاطعان وأظن أنه من الخطير أن نحتفظ بهذا الخطاب لأنه يمس بالهوية الجمعية, من العبث أن تتبنى خطابا يريد الدفع بك إلى الأمام من جهة و يريد العودة بك إلى الماضي من جهة أخرى, في نظري لا يمكن أن ندّعي الانفتاح بنظرة محافظة ماضوية. إنها شعارات ذات سطحية جذابة لكنها عقيمة في العمق.

أنت كذلك مهندس معماري, تحدث لنا عن التجربة المعمارية المغربية, هل تمتلك هوية خاصة بها و ما موقفها من جدلية الأصالة و المعاصرة؟

أفضّل أن أجيب بنظرة مصوّر فوتوغرافي, أولا الأصالة والمعاصرة كشعار لا يروقني البتة. هما طريقان مختلفان لا يتقاطعان وأظن أنه من الخطير أن نحتفظ بهذا الخطاب لأنه يمس بالهوية الجمعية, من العبث أن تتبنى خطابا يريد الدفع بك إلى الأمام من جهة و يريد العودة بك إلى الماضي من جهة أخرى, في نظري لا يمكن أن ندّعي الانفتاح بنظرة محافظة ماضوية. هذا النوع من الخطابات جميل في القراءة و الترديد فقط, هي شعارات ذات سطحية جذّابة لكنها عقيمة في العمق. هذا فيما يخص الأصالة و المعاصرة بشكل عام, بالنسبة للهندسة المعمارية لمدينة الدار البيضاء وعمرانها في ظل هذه الجدلية, فقد بدأ تأسيسها من قبل عصر الحماية, كان هناك مهندسون معماريون يسكنون في المدينة و مقاولون أغلبهم إيطاليون ساهموا في تلبية حاجة المدينة إلى التشييد والبناء, لذلك كان يطلق على الدار البيضاء طيلة نصف قرن “مختبر تخطيط المدن والمعمار”, فقد كانت مكانا للتجربة المعمارية والعمرانية. وقد شهدت المدينة خلال هذه الفترة تجاذب وتلاقح سلسلة من التيارات و التجارب التي تعتبر البداية التحضيرية لما عليه مدننا اليوم.

“شوارع الدار البيضاء المكتظة والتي لا تكف عن السير, أمامها المدينة العتيقة الخارجة عن الزمن حيث يتقدم بوثيرة بطيئة تتماشى مع إيقاعها في الحياة”, جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.

بعد الاستقلال وبالضبط في بداية الثمانينات أصبحت المدن تفتقد هذا المعمار, صحيح أن هوية هذه الهندسة مرتبطة بفترة الاستعمار إلا أنها تظل في الحقيقة هويتنا كذلك. فيما بعد, لم تكن هناك بحوث حول هوية وتاريخ الهندسة المعمارية المغربية. العمل الوحيد الذي تطرّق إلى المجال العمراني والمعماري في المغرب قام به كل من Michel Ecochard و Henri Prost. أول التخطيطات كانت لهذا الأخير مع ليوطي حيث تم ابتكار أسلوب معماري جديد خاص بالمغرب وهو Le Néomaraocain, نجد هذا الأسلوب في الساحة الإدارية لمدينة الدار البيضاء في بنايات بنك المغرب, الجمارك والبريد ويتميّز بكونه لا يعتمد التلبيس وكثرة التزويق مثل أسلوب العمارة المغاربية  Le Néomauresque, كما أنه يرتبط بمكان جغرافي معين, فعلى سبيل المثال, في البنايات الغربية نرى أن التلبيس يكون متكلفا وظاهرا لأنه يلجأ إلى أنماط خاصة بالمعمار العربي الإسلامي فهو أسلوب تزييني محض في حين أن Le Néomaraocain هو أسلوب معماري  يعتمد أدوات و آليات خاصة من بينها التلبيس. لذلك لا يتواجد هذا الأسلوب بالجزائر وشمال افريقيا أو تونس لأنه خاص بالمغرب فقط. كانت هذه هي المحاولة الوحيدة من أجل إنشاء أسلوب معماري ذو هوية مغربية, إذ يسهل على مهندس معماري التعرّف على بنايات المحمدية و الدار البيضاء أو زاوية قصبة بن حدو بخلاف البنايات التي تم تشييدها  انطلاقا من سنة 1980 إلى الآن فهي خالية من لمسة هوياتية و يمكن أن تتواجد بأي مكان. للأسف هناك غياب بحوث في هذا المجال. في نظري يجب أن تكون هناك فرق مكوّنة من مهندسين معماريين و فنانين وعلماء اجتماع وفلاسفة وفاعلين من المجتمع المدني لكي يبحثوا في هذا المجال. إلى حدود الآن لم يتوقف أحد لمساءلة الهندسة المعمارية للبلد, كل شخص يبني ما يريد. هذا الأمر يقوم بالأساس على ظهور عزيمة سياسية قوية, فتهيئة كازابلانكا مثلا جاءت بإرادة ليوطي والتي طبّقها Henri Prost.

“عندما كنت أبحث في أرشيف أعمالي الفوتوغرافية, صادفت هذه الصورة التي تعود إلى سنة 2009, والتي كنت قد التقطتها من فوق سقف كاتدرائية القلب المقدس. عندما أشاهد الصورة من جديد, أحس بحدوث فرق, أو خلل بالأحرى, أرى أن المدينة أكثر بياضا على الصورة مع العلم أنها ليست قديمة إلى هذا الحد. كان يلزمني التمعن فيها لعدة لحظات من أجل أن أدرك أن التغيير الوحيد الذي حدث هو احتلال الإشهارات لواجهات المدينة, إذ باتت تغطي مساحات البنايات البيضاء والفضاءات التي تفصل بين الأشجار وإشارة المرور. أتساءل كيف سيكون المشهد العمراني والمعماري إذا ما استمرت الإشهارات في احتلال الفضاءات والواجهات العامة؟” جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.
الهندسة المعمارية تتشابه مع الفن المعاصر في كونهما يعتمدان على الفوتوغرافيا كوسيلة تنقّل بين بقاع العالم, ما هي خصوصية العلاقة التي تربط الفوتوغرافيا بالهندسة المعمارية؟

الفوتوغرافيا هي وسيلة تسهل قراءة الهندسة المعمارية و توثيقها و دراستها, وتشكّل الهندسة المعمارية بالنسبة للفوتوغرافيا تيمة غنية ومهمة. الصورة هي عمل فني محدّد في الزمان والمكان, تأتي الهندسة المعمارية إذن لكي تنقل تفاصيل مختلف الأماكن التي تجري فيها الأحداث اليومية, الفردية والجماعية و التي تقوم مقام شهادات عن ذكرياتنا التي تكوّنت بها.

الأماكن هي جزء لا يتجزأ منا, تتكون فيها ذكرياتنا وتصقل فيها شخصيتنا وهويتنا. هي عبارة عن معالم وشهادات تاريخية, لذلك فهدمها هو هدم للهوية الجمعية ولذاكرة شعب بأكمله.

هندسة معمارية, فوتوغرافيا ومعرض, كيف يمكن لهم أن يتجسّدوا في مشروع خاص بك؟

كنت أعمل قبل سنتين على تجربة فنيّة تقتضي مقارنة صور فوتوغرافية للدار البيضاء بين أمس واليوم وذلك بالبحث عن مكان الصورة القديمة وعن الزاوية التي أخذت منها. كنت أودّ من خلال هذه العملية إحياء ذاكرة هذه الأماكن و بالتالي رصد الفوارق الكبيرة التي شهدتها في غضون ثلاثة عقود, فهناك بنايات ومسارح عديدة اختفت فيما هناك أماكن أخرى لم يطلها أي تغيير.

الأماكن هي جزء لا يتجزأ منا, تتكوّن فيها ذكرياتنا وتصقل فيها شخصيتنا وهويتنا. هي عبارة عن معالم وشهادات تاريخية, لذلك فهدمها هو هدم للهوية الجمعية ولذاكرة شعب بأكمله. من هنا يأتي اهتمامي بالفضاءات العامة التي اختفت, أتساءل عن السبب في ذلك و كيف كنا سنكون لو ظلّت هذه الأماكن موجودة. اختفاءها لا يعني موتها فهي لا تزال حيّة بدواخلنا لا تموت ما دمنا نملك صورها كدليل على وجودها. هناك ذاكرة مشتركة لا يمكن هدمها وإن هدمت جميع مبان أمس.

“شارع لالة ياقوت, المسرح البلدي الذي تم هدمه”, جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.

إذا قمت بنحت تمثال فأنت نحات, إذا التقطت صورة فأنت مصور فوتوغرافي, لا أعتقد أنه من السيء أن نكون جميعا مصوّرين, لأنه سيكون هناك دائما مصوّرون جيّدون و آخرون سيّئون.

الآن مع الهواتف الذكية و برامج تعديل الصور أصبحت الفوتوغرافيا معممّة و ديموقراطية, في نظرك, ما الذي يميّز الفوتوغرافي الحقيقي؟

ما يميز الفوتوغرافي الحقيقي هو رؤيته للأشياء وطريقته في التعامل معها. عين الفوتوغرافي هي عدسة الكاميرا وليس العكس. أن تكون لدينا جميعا القدرة على التقاط صور هو أمر جيد فعلا, فهذا يعني أننا نعيش في حقبة حيث كل لحظة, كل مشهد وكل حدث خاضع بشكل حتمي للتوثيق. هذا يحدث لأول مرة في تاريخ الإنسانية, إنه شيء مذهل! فإذا أردت أن تشاهد شارع محمد الخامس بالرباط بعد عشرين سنة, ستحصل في رمشة عين على مئات الصور, هذا شيء جميل! فالمدينة موثقة بشكل شامل وديمقراطي. بالنسبة للمقولة السائدة التي تفيد بأن الكل يعتبر نفسه مصورا فوتوغرافيا, فهذا أمر جميل أيضا, أجل, كلنا مصورون فوتوغرافيون. يكفي أن تتمعّن الواقع من وراء عدسة الكاميرا  وتلتقط صورا لتصبح مصوّرا, الأمر طبيعي جدا, إذا قمت بنحت تمثال فأنت نحات, إذا التقطت صورة فأنت مصور فوتوغرافي, لا أعتقد أنه من السيء أن نكون جميعا مصوّرين, لأنه سيكون هناك دائما مصوّرون جيّدون و آخرون سيّئون . الأهم هو أن يمتلك المصوّر الفوتوغرافي رؤية و رسالة يريد إيصالهما إلى أعين المشاهد.

 

عندما كنت أشاهد أعمالك, لاحظت أنها خالية تماما من الغرائبية أو L’exotisme. المغرب الذي تصوره هو مغرب عمراني, حضري ومنفتح على العولمة. هل يمكن أن نعتبر أعمالك هي هدم لهذه الموجة أو هذا التيار الذي يلجأ إليه عدد كبير من المصوّرين الفوتوغرافيّين؟

لا أحب فوتوغرافيا الفقر والتهميش. هذه الموجة تبنّاها العديد من المصورين الفوتوغرافيين في المغرب لأنها مستهلكة و مطلوبة فقط, في حين أن بعضهم يجهلون السياق الذي نشأت فيه. هذه الصور ظهرت مع السياح الأجانب و المستعمرين المستقطبين في زيارتهم الأولى إلى المغرب, لقد كانت تغمرهم الدهشة من جميع الجوانب, وكانوا يسمّون المغاربة بالسكان الأصليين وبالتالي يصورون كل ما يبدو لهم غريبا ومخالفا لثقافتهم. هذه الظاهرة تطورت وأصبحت أسلوبا تصويريا نجده في الملصقات والبطائق البريدية التي تمثّل المغرب بعرضها لصور متسوّلين و أشخاص يعيشون في الفقر المذقع. لذلك تم تبني هذا الأسلوب لأنه مشهور فقط, لكن لم يسبق لفوتوغرافي من قبل أن تساءل عن أصل هذه الظاهرة. هذا أمر مزعج حقا ولا ينمّ عن فعلٍ ناضجٍ ومسؤولٍ. الأشخاص الذين تم تصويرهم يملكون و يتمتعون بما يسمى بالحق في حماية الصورة إلا أن هذه الموجة تضرب وتطعن في هذا الحق دائما, هؤلاء الناس هم بمثابة فرائس لعدسة الكاميرا, لا يستفيدون شيئا بخلاف المصوّر الذي يربح أموالا طائلة من استغلاله للصوّر التي التقطها, ما يزيد من شهرته ونجاحه. لهذا فأنا لا أعترف بهذا النوع من الفوتوغرافيا.

مهما بلغنا مستوى عاليا في تطوير تقنيات برامج تعديل الصور لا يمكننا تجاوز الصور بالأبيض والأسود أو الأسلوب الكلاسيكي, أليس كذلك؟ ما الذي يفسّر خلود هذه التقنيات والأساليب في حين أننا نطالب بحداثة شاملة في نفس الوقت؟

لا يمكن اعتبار تقنية الأبيض و الأسود عتيقة الطراز لأنها أسلوب فني مستقل له قواعده و سحره الخاص. الأبيض و الأسود يجعلك تطلق العنان لخيالك عكس الصورة بالألوان التي تحدّ من رؤيتك وتقيّد خيالك. الشيء الأجمل و الأحمق في نفس الوقت هو أن الصور بالأبيض و الأسود تدفع بك لأن تتخيّل ألوانا غير موجودة. ربما هذا ما يجعلني أستمتع جدا بمتابعة التوازي بين قراءة كتاب وبين مشاهدة الفيلم المأخوذ منه.

أبيض وأسود, جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.
ربما هذا ما يجعلنا نصاب بالإحباط عند مشاهدتنا للأفلام المأخوذة من الكتب التي قرأناها ؟

تماما, سحر القراءة يشبه الصور بالأبيض و الأسود.

ماذا عن تجربتك للأرجنتيك؟

قمت بهذا التمرين في السنة الماضية, بدأت بتحضير غرفة خاصة لأن المختبرات اليوم لم تعد تحضّر الشرائط. المثير في هذا التمرين هو التقرّب من تجربة أصول هذا الفن و من أسسه بما فيها الصبر و التركيز و الدقة لكي تحصل في النهاية على نتيجة يصعب توقّعها. المثير في هذه التجربة هو محدوديتها في 36 وقفة, ما يجعل من كل صورة طرحا فكريا يتطلب وقتا وتركيزا.

الفيلم الأرجنتيك يدفع بالمصور الفوتوغرافي إلى طرح أسئلة وجودية من وراء عدسة الكاميرا. كنت أعمل على مشروع لم أنهيه للأسف وهو تصوير أماكن مختفية بأفلام منتهية الصلاحية. والفكرة من وراء ذلك هي لو استعمل الفيلم قبل أن تنتهي صلاحيته لكان قد التقط صور هذه الأمكنة قبل اختفاءها, هو مشروع موعد مؤجل.

ماذا عن مكان الثقافة في المغرب؟

أعتقد أننا البلد الذي يخصّص أدنى ميزانية للثقافة في العالم, الثقافة عامة والفنون البصرية خاصة مهمشة في المغرب. لدي إيمان قوي بأن الفن هو محرك تنموي حقيقي يساهم في التنمية الاقتصادية وتنمية العقليات. الشعب المثقف هو الذي يرفع من مكانة وطنه. لقد سبق لي أن قرأت بأن استثمار كل أورو في الثقافة بفرنسا تربح منه الدولة 7 أورو. لذلك أعتقد أن الاستثمار في الثقافة هو أفضل نموذج اقتصادي كلاسيكي فنحن نتحدث في نفس الوقت عن التوعية والتحسيس والتأطير ثم اكتشاف القدرات والمواهب من أجل توجيهها . يؤسفني أن تتم دائما الاستعانة بقدرات وبموارد بشرية أجنبية في تنظيم المهرجانات والتي يتم الدفع لها بالعملة الصعبة. لماذا نحن دائما بحاجة إلى يد عون أجنبية؟ لماذا لا نثق في القدرات و المؤهلات المغربية لكي يتمكنوا من تصدير إبداعاتهم إلى الخارج ويصبحون بدورهم سفراء للمغرب؟

لحظة التقاط الصورة هي لحظة التقاء سريع وخاطف بين عدسة المصوّر و خفقان قلبه, كيف تعيش هذه التجربة؟

هي لحظة منتظرة, تماما مثل الصيد, ليست لدي أية فكرة عن المفاجآت التي يمكن أن تنتظرني. هناك أماكن أزورها عشرات المرات من أجل التقاط صورة عصفور عابر عبر السحاب. أقوم بخرجة أولى لكن لا أقتنع بالمشهد من وراء عدسة الكاميرا لأنني أتمنى لو كان هناك سحاب أكثر, أعود في الغد وأتمنى لو كان هناك سحاب أقل, ثم أعود في اليوم الثالث, المشهد كما تصوّرته تماما لكن هناك شيء ينقص المشهد الذي رسمته في ذهني. في النهاية, أخلص إلى التقاط  صورة مشهد غروب الشمس لكي أترقّب حينها شيئا أجهله, حدثا يمكن أن يخلق حكاية الصورة كمرور قطة أو شخص يبتسم. لذلك أعتقد أن اللقطة ترتبط بسيناريو. في غالب الأحيان لا شيء يحدث لذلك نتخيل حكايات.

“ما حكاية هذه السفينة؟ حين يكون الأصل في حكاية السفينة وليس في صورتها.” جميع الحقوق محفوظة للمصور جوهر قضاضي.
الصور التي تلتقطها هي غالبا صور تعكس جمالية ونظرة إيجابية للواقع, هل الواقع جميل دائما أو بالأحرى هل القبح لا يمكن أن يكون تيمة للفوتوغرافيا؟

بالطبع الواقع ليس جميلا لذلك فالفوتوغرافيا هي فرصة للهروب من الواقع وفرصة تأمل و سكون و هدوء.

أجمل صورة لن تلتقطها أبدا؟

هي اللحظات التي أفضل أن أعيشها على أن أصورها.

ما هو المشهد الذي تود تصويره من فيلم A bout de souffles ؟

شاهدت هذا الفيلم لما يقارب 20 مرة, هو سلسلة من الصور الجميلة. فيما يخص المشهد الذي أفضّله في الفيلم فهو المشهد الذي يظهر فيه البطل في السيارة ويثبت بعينيه الكاميرا ويقول” إن كنتم لا تحبون البحر, إن كنتم لا تحبون الجبل, إن كنتم لا تحبون المدينة… فلتذهبوا إلى الجحيم!” ويعتبر المشهد رسالة موجّهة إلى المخرجين الذين كانوا يمنعون الممثلين من مشاهدة الكاميرا. كم أرغب أن أكون في مكان الكاميرامان.

شخصية بيلموندو من فيلم A bout de souffles
ما هي شخصية المانجا التي تتمنى لو خصّصت لها جلسة تصوير؟

الشخصية التي خطرت ببالي هي شخصية Nicky Larson, لماذا؟ لأنها شخصية عفوية, مرحة وذكية. كنت أعشق مشاهدة وقراءة هذه المانجا ولا زلت أفعل ذلك إلى اليوم. لقد شاهدت أيضا الفيلم المأخوذ من شخصية City Hunter والذي قام فيه بأداء البطولة Jackie Chan. أبرز سمات Nicky Larson هي أنه مهووس طوال الوقت بجمال النساء كما أنه قاتل متسلسل.

 

جرى هذا الحوار في الأصل باللغة الفرنسية وتمت ترجمته إلى اللغة العربية.

 


Like it? Share with your friends!

mm
- حاصلة على شهادة الماجيستير في الفن والأدب المقارن بجامعة محمد الخامس بالرباط. لها دراسات و نصوص في النقد الفني.
إضغط هنا
Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
List
The Classic Internet Listicles
Open List
Submit your own item and vote up for the best submission
Ranked List
Upvote or downvote to decide the best list item
Meme
Upload your own images to make custom memes
Video
Youtube, Vimeo or Vine Embeds
Audio
Soundcloud or Mixcloud Embeds
Image
Photo or GIF
Gif
GIF format