لماذا لا يغض الرجال أبصارهم؟

1 min


لطالما كانت الثقافة العربية الإسلامية تعزو للغرب الانحلال الأخلاقي، وتفسر هذا التصور المغلوط بما يمثله الدين الإسلامي من قيم وأخلاق تحفظ مجتمعاتنا من مثل هذه العمليات غير الأخلاقية التي يدخل التحرش الجنسي ضمنها طبعا. لكن واقعنا الاجتماعي, تاريخيا وحتى اليوم, لا يثبت شيئا من ذلك، فالتحرش كعملية وسلوك متعدد الجذور, وتفسيره بعامل واحد مثل الديانة هو فشل في فهمه. وأي توجه فكري يريد أن يصور العالم الإسلامي بريئا من عمليات التحرش والاغتصاب لم يعد مقبولا.

نسبة التحرش الجنسي في ارتفاع بالدول العربية

أصبحت ظاهرة التحرش الجنسي منتشرة في المجتمع العربي بشكل مخيف، حتى باتت تمثل تهديدا خطيرا على الأمن والاستقرار،خصوصا وأنها قد تكون سببا في حدوث بعض الجرائم الخطيرة ومنها جرائم القتل والخطف والاغتصاب.

حسب دراسة صادرة عن الأمم المتحدة عام 2013، %99 من النساء المصريات تعرضن لأحد أنواع التحرش مرة على الأقل في حياتهن، و %90 من نساء اليمن سجلن حالات تحرش جنسي لدى السلطات المختصة، أما في السعودية, فقد بلغ عدد قضايا التحرش 2797 حالة في عام 2014. إذا كانت الدول المذكورة سابقاً هي الأكثر شهرة على مستوى العالم العربي في هذا المجال، فإن بقية الدول العربية ليست أفضل حالاً، فالتحرش الجنسي بدأ يستفحل تماماً ويتضخم بشكل لا يمكن تجاهله في أنحاء الوطن العربي.

ما يعيشه المغرب ليس واهنا مقارنة مع ما يعيشه العالم العربي، فعلى الرغم من غياب إحصائيات ملموسة توضح الحجم الحقيقي للظاهرة، إلا أنه وحسب تقرير ل”مرصد عيون نسائية”, 4940 امرأة التي تتراوح أعمارهم بين 15 و70 سنة كنّ ضحايا تحرش جنسي. %49 منهن تعرضن لعنف جسدي، و %28, لعنف جنسي. هذا إلى جانب العدد الكبير من النساء المغربيات اللواتي يتعرضن لشتى أنواع العنف يومياً… فقد تحول الشارع المغربي وبعض الأماكن العمومية في الآونة الأخيرة إلى فضاء يتم فيه تفجير النزوات العدوانية من اعتداءات لفظية وجسدية ومادية على الفتيات بشكل كبير.

الجحيم الذي تعيشه النساء كل يوم

قبل التحدث عن ما تعيشه النساء يوميا، يجب وضع المجهر على أحد العناصر التي تساهم بشكل كبير في تفشي هذه الظاهرة وهي الطبيعة التي نتعامل بها مع هذه الجريمة، ففي مختلف الحالات نضع اللوم على الضحية لا على الجاني، ولأن الضحايا غالبا نساء سيكون لعقدة الثقافة الذكورية العامل الأهم في تحليل هذه الظاهرة.

فقد كان ولم يزل التعامل مع جريمة الاعتداء والتحرش على أنها سبب سوء سلوك النساء وابتزازهن للرجال فمثلا ضعف احتشام المرأة يعتبر السبب الرئيسي في كل التفسيرات لهذه الجريمة، ناهيك عن أن التحرش يكاد لا يصبح جريمة بل يصبح حقا طبيعيا للرجل.

المعاناة التي تتعرض لها المرأة يوميا والتي تهدد النساء في كل زمان ومكان لا تستثني أية أنثى, فلا فرق بين موظفة وربة بيت، بين متزوجة وعزباء، بين محجّبة ومكشوفة الرأس، بين كبيرة وصغيرة في السن… فبمجرد خروجها للفضاء العام, تبدأ هذه المعاناة من التعليقات الجنسية, نظرات موحية وتلميحات جسدية… وتصبح المصيبة أعظم حين تستعمل وسائل النقل, إذ تتحول التلميحات و النظرات إلى سلوك مادي وجسدي، تبتدأ باللمس وبالتحسس، وتنتهي بالاعتداء في بعض الأحيان. نوع آخر من التحرش والذي لا يمكن أن تفلت منه امرأة هو التحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء داخل مقرات العمل، هذه المشكلة التي بدأت تتحول في مجتمعات كثيرة إلى ظاهرة تبعث على القلق، حيث تجد المرأة نفسها بين فكي كماشة، الحاجة إلى العمل من جهة و وجود رجال ضعاف النفوس في محيطها الوظيفي يقفون في طريق عملها ويضغطون على أعصابها. وهذا راجع بالأساس إلى عوامل التنشئة الاجتماعية للرجال في علاقاتهم بالنساء، ونظرتهم إلى المرأة على أنها مصدر للمتعة فقط وليست كيانا وفكرا.

لباس المرأة يساهم في زيادة التحرش بها

يرجع كثيرون حوادث التحرش بالنساء إلى طريقة لباس المرأة، بل إن أول سؤال يُطرح من قبل أصدقائها وأقاربها إثر تعرضها لتلك التصرفات في الشوارع والأماكن العامة هو “شنو كنت لابسة؟” هل تعتقدون أنه إن لبسنا خمارا و وضعنا قفازات لكي لا تثيرهم أيدينا سيكون حلا لهذا المشكل؟ أنتم مخطئون.
حتى المتحجبات والمنقبات يتعرضن لتحرش جنسي بشكل يومي، هذا إلى جانب نسب التحرش المرتفعة في الدول المحافظة التي تتجاوز نظيرتها في بعض الدول الغربية.

الموضوع ليس مشكل لباس أو حشمة بل هو بالأساس مشكل تربوي وسيكولوجي بامتياز، ذلك أن التحرش الجنسي في مجتمعنا صار “موضة العصر” ووسيلة لإثبات الذات الفحولية لدى البعض. بحيث أن فئة من الأشخاص صارت تتنافس فيما بينها لإظهار قدراتها ” الشاعرية” و “الرومانسية” عن طريق التحرش بالنساء، وذلك بمعاكستهم لأية فتاة يصادفها في طريقه أو تمر بالقرب من المقهى الذي يرتاد … و هذا الأمر تتعرض له النساء على حد سواء، وهذه حقيقة يدركها الكل. ماعدا من يحاول حجب الشمس بالغربال.

تجمع مختلف الدراسات على أن نسبة التحرش في السعودية هي أعلى بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والسويد وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا وإسبانيا وبقية الدول الأوروبية. كما كشفت وزارة العدل السعودية أنه سنة 2014 بلغ عدد قضايا التحرش بالنساء 2797 قضية في محاكم المملكة، وتصدرت محاكم منطقة الرياض بواقع 650 قضية، ثم محاكم منطقة مكة المكرمة بواقع 430 قضية، وبعدها محاكم المنطقة الشرقية بـ210 قضايا ، ومحاكم منطقة المدينة بـ170 قضية.. كما كشفت دراسة ميدانية حديثة أجرتها شركة أبحاث عالمية لصالح وكالة الأنباء العالمية “رويترز”، أن السعودية تحتل المركز الثالث من بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل..

بناءا على هذه المعطيات يمكننا القول بأن لباس المرأة ليس هو السبب في انتشار هذه الظاهرة. وإلا لما وجد تحرش جنسي في السعودية…

قصص نساء مع التحرش

طرحت السؤال على نساء هل تعرضن يوما لتحرش جنسي..فكانت الأجوبة كالتالي:

أميمة : ” قولي فوقاش معمرنا تعرضنا ليه، التحرش ولا من الأشياء اليومية لي كتواجه أي بنت فالزنقة”.

 

شيماء :  “بما أنني كنسكن فمدينة وكنخدم فأخرى، كنتعرض للتحرش بشكل مضاعف، وخصوصا في القطار كيديرو سبة بالزحام باش كيبقاو لاصقين فيك، والمشكل هو إلا هدرتي غادي تولي انت لي غالطة ماشي هو”.

 

مريم: من كثرة تعرضي للتحرش كل يوم، أظن أنني جربت جميع أنواع التحرش اللفظي، فإلى جانب هداك لكيبق تابعك غي باش يزعجك، جربت كيفاش شخص يشتمك بكلمات نابية فقط لأنني لم أتجاوب معه ..وماكينش لي هدر معاه حيث للأسف ديما البنت هي لي غالطة واخا تكون مادايرا والو”

هن فقط ثلاثة من الكم الهائل من النساء الاتي تتعرضن للتحرش كل يوم و كل ساعة. وعندما تدافع عن نفسها تصبح المذنبة وهي من جعلت الرجل يتحرش بها. من بين المغالطات التي يجب تصحيحها اليوم هي التي توصف النساء بدون استثاء بمباحات لمجرد خروجهن من البيوت وتواجدهن في الشوارع.

إن كان مصدر التحرش الجنسي هو الفكرة السائدة كونهن يبتزون الرجال ب”تبرجهن” كما يقولون, فوجب تذكيرهم, لأن الذكرى تنفع المؤمنين, بوجوب غض الأبصار. لماذا لايقفلون أفواههم؟ وإلى متى سيظلون مقتنعين بأن الفضاء العام ملكا لهم؟ متى سنخرج من هذا التخلف؟ نعم, إنه تخلّف لأنه نتيجة لتخلف الجميع عن مسؤولياتهم بدأ من المتحرش وانتهاءا بالضحية التي تستسلم لقدرها وتتكتم عن المجرم بدلا من الدفاع على نفسها.


Like it? Share with your friends!

mm
- خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال،خاضت العديد من الدورات التدريبية والتجارب المهنية مع مختلف المنابر الإعلامية فضلا عن مشاركتها في العديد من الدورات التدريبية؛ إحداها في الإعلام الجديد بمركز الجزيرة للتدريب و التطوير الإعلامي.
إضغط هنا
Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
List
The Classic Internet Listicles
Open List
Submit your own item and vote up for the best submission
Ranked List
Upvote or downvote to decide the best list item
Meme
Upload your own images to make custom memes
Video
Youtube, Vimeo or Vine Embeds
Audio
Soundcloud or Mixcloud Embeds
Image
Photo or GIF
Gif
GIF format